الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

229

مناهل العرفان في علوم القرآن

بين علو ونزول ، واتساع وانقباض ، وحركة وجمود ، وحضارة وبداوة ، والقرآن في كل هذه الأدوار واقف في عليائه ، يطل على الجميع من سمائه ، وهو يشع نورا وهداية ، ويفيض عذوبة وجلالة ، ويسيل رقة وجزالة ، ويرف جدة وطلاوة . ولا يزال كما كان غضا طريا يحمل راية الإعجاز ويتحدى أمم العالم في يقين وثقة قائلا في صراحة الحق وقوته ، وسلطان الإعجاز وصولته : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . القدر المعجز من القرآن ومن عجيب أمر هذا القرآن وأمر هؤلاء العرب ، أنه طاولهم في المعارضة ، وتنازل لهم عن التحدي بجميع القرآن إلى التحدي بعشر سور مثله ، ثم إلى التحدي بسورة واحدة من مثله ، وهم على رغم هذه المطاولة ، ينتقلون من عجز إلى عجز ، ومن هزيمة إلى هزيمة ، وهو في كل مرة من مرات هذا التحدي وهذه المطاولة ، ينتقل من فوز إلى فوز ، ويخرج من نصر إلى نصر : تصور أنه قال لهم في سورة الطور أول ما تحداهم : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ؟ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ * . فلما انقطعوا مدّ لهم في الحبل وقال في سورة هود : « أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ؟ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ؟ » . فلما عجزوا هذه المرة أيضا ، طاولهم مرة أخرى ، وأرخى لهم الحبل إلى آخره ، وقال في سورة البقرة : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ * فكان عجزهم بعد ذلك أشنع وأبشع ، وسجل اللّه عليهم الهزيمة أبد الدهر ، فلم يفعلوا ولن يفعلوا . ودحضت